محمد بن جعفر الكتاني

146

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - أحد الفقهاء المحققين ، المقتدى بعلمهم وهديهم ، الذين نفع اللّه بهم أمة عظيمة ، جامعا بين العلم والصلاح ، قائما على رسالة ابن أبي زيد أتم قيام ، وكاد يحفظ تقييد الجزولي المسبع عليها ، وكان يدعى : أبا " الرسالة " ؛ لأنه كان أفقه الناس بغوامضها ، وأعرفهم بمشكلاتها . يستحضر نصوصها ، ويضرب مسائلها بعضها ببعض ، وكان يفسر بها " المدونة " وسائر كتب المذهب . قال المنجور في فهرسته : « وكان مجلسه منوّرا ، وللفظه حلاوة ، وعليه طلاوة ، وربما يحضره في ذلك المجلس شيخنا الفقيه أبو محمد الونشريسي - وكان أسن منه - ويعجب من فصاحته ورشاقته في ذلك ؛ ويقول في تدريسه ذلك : هو السهل الممتنع . وكثيرا ما تسأله العامة عن أمر دينها بالمجلس وخارجه ، وهو عمدتهم في ذلك وفي معاملاتهم ، ويقصدونه لعقد شروطهم في مناكحتهم ومبايعتهم ، وسائر معاملاتهم ، وكان يحسن الوثيقة ؛ قد لازم السماط مدة طويلة ، حتى حصل له بذلك زيادة تمرين في المسائل الفقهية ، مع كونه لا يترك التدريس في " المدونة " ، و " الرسالة " ، ويدأب على ذلك ؛ لكنه يقتصر على حل اللفظ ، ولا يزيد . كما مر » . ه . أخذ - رحمه اللّه - عن أبيه - الذي هو من طبقة ابن غازي ووفاته بعد موت ابن غازي بنحو سنتين - وأخذ - أيضا - عن ابن غازي ، وأبي عبد اللّه الهبطي ، وأبي العباس الزقاق ، وأبي العباس الحباك ، وأبي الحسن ابن هارون ، وأبي محمد عبد الواحد الونشريسي . . . وجلس للتدريس في أول شبابه سنة إحدى عشرة ، وانتفع به خلق كثير . وممن أخذ عنه : الشيخ سيدي رضوان الجنوي ؛ ولازمه وانتفع به ، والشيخ أبو عبد اللّه القصار ، والشيخ أبو المحاسن سيدي يوسف الفاسي [ 130 ] ، والفقيه القاضي أبو عبد اللّه محمد ابن يوسف الترغي ؛ وأجاز له في القراءات السبع . وأخذ عنه - أيضا - الولي الصالح سيدي عبد اللّه ابن حسّون ، وأبو العباس المنجور ؛ وذكره في فهرسته وأثنى عليه ، والأستاذ أبو زيد عبد الرحمن النالي ، وأبو القاسم بن محمد ابن عبد الجبار الفجيجي . . . وغيرهم . وتوفي - رحمه اللّه - بفاس أول سنة اثنتين وستين وتسعمائة ؛ عن نحو سبعين سنة ، وطال مرضه نحو السنة . قال في " الدوحة " : « واحتفل الناس كلهم بحضور جنازته ، وكسروا أعواد نعشه تبركا . . . » . ه . وقال المنجور : « كانت جنازته مشهودة ؛ حضرها ولي العهد - حينئذ - أبو محمد مولانا عبد اللّه ، وأسف الناس لفقده ، وأثنوا عليه خيرا . . قال : وكان كثيرا ما يتنفل بين المغرب والعشاء ، شاهدت ذلك منه بمسجد الأبارين ، وله قيام بآخر الليل - على ما أخبرني به ولده : الثقة الخطيب أبو فارس عبد العزيز - ومن أعظم عباداته : إعانته لولده الفقيه الصالح أبي شامة في مؤن الدنيا ، وتفريغه إياه لعبادة اللّه عزّ وجل ! » . ه .